مشاركة المقال

لقد أنشأت الأمم المتحدة معايير لنمو الدول تتعلق بمختلف جوانب الحياة، ففي الإقتصاد تنظر لمعدلات النمو والدخل والقدرات التنافسية، وفي الصحة تنظر لمعدلات الوفيات والأمراض…ألخ ، هي تنظر لقمة جبل الثلج فقط ، وبإمكان دولة من دول العالم الثالث لا تُنتج شيئاً أن تحتل مركزاً متميزاً في أي من هذه المؤشرات السطحية، ولكتمون المجتمعات صادقة مع نفسها وأمينة على مستقبلها تحتاج أن تنظر للأسس التي تقف عليها عملية التقدم الحقيقية، ونقصد بها أن تكون قد أنتجت المجتمع الذي يستطيع أن يتحمل مسؤولية نفسه فهو قادر على استبقاء وحدته وسلامته الترابية في وجه المخاطر لأن فكرته عن الكرامة الإنسانية سليمة،  وهو قادر على البحث والنظر والصناعة والتطور والصمود في وجه المنافسة العالمية، و فكرته عن الآخرة والحياة والطبيعة والعلم صحيحة.

إن البحث عن آلية أخرى غير مؤشرات الأمم المتحدة لسبر العمق المؤسس لكل مجتمع ضرورة قصوى لا تعدلها ضرورة؛ لأنها تعني أن أجهزتنا التعليمية والتربوية والإعلامية والدينية قامت بما ينبغي أن تقوم به، وأننا لا نعيش حالة في تقدم مزيف سرعان ما ينكشف مع أي أزمة طارئة، فكم من أبنية شامخة تنكشف عوراتها مع هبة ريح أو زخة مطر.

في هذا السياق سنستخدم ثمانية مناظير كبرى لتفسير الأسس العميقة التي تحول دون التقدم، فالتحول المنظوري هو ما صنع العالم اليوم، فلم تكن عمليات التقدم الكبرى التي صنعت المجتمعات المتقدمة بما فيها من عدالة وكرامة واقتصاد وليدة الآلة والمصنع، بقدر ما هي وليدة الأفكار التي هيأت الكرة الأرضية لإمكانية حدوث كل ذلك.

لقد كانت معركة الأفكار في أوروبا تسير بوتيرة متصاعدة  وصلت ذروتها مع ديكارت، وتحولت لحالة نضالية كبرى مع منتصف القرن الثامن عشر، وهي ثورة غيرت أسس التفكير والتصور وانعكست على عالم العلاقات والمشاريع، فمكنت أوروبا من السيطرة على مقدرات العالم بعد أن أمسكت بزمام العلم والمعرفة، ومن هنا نريد أن نفحص نتيجة جهودنا العلمية والتربوية وما ننفقه من أموال، هل قادت إلى ما نصبو إليه من تحولات عميقة في أسس التصور ؟

والمجتمع هو مجموع الأفراد الذين يشكلون كلاً تجمعه أواصر وروابط متبادلة، وله صبغة تنظيمية تدير شؤونه، وهو حين ينتظم بشكل كبير يأخذ شكل الدولة وينتظم في مؤسساتها.

إن المجتمعات تختلف من حيث قوتها وضعفها، فهناك مجتمعات نضجت بنيتها الفكرية ومؤسساتها وأصبحت قوة معتبرة في عالمها، وهناك مجتمعات لا زالت تحاول اللحاق بالمتقدمين وهي في سعيها قد تجد المفاتيح الحقيقية للتقدم أو تضل في الأشباه والنظائر والأشكال الزائفة للتقدم وتستنزف ثرواتها وهي على غير هدى.

إن الإنتباه لعمق الصورة هو البوصلة الهادية لمعرفة الطريق المنتج من الطرق غير المنتجة.

مسبار المفاتيح الثمانية

المفاتيح الثمانية للنظر للمجتمعات هي أحد الأطر المعروفة في علم الاجتماع، وهي تفحص الأسس العميقة للمجتمع من ثمانِ زوايا

Kluckhohn and Strodtbeck’s Values Orientation Theory

كلوكون وسترادبيك نظرية الوعي القيمي

هدف النظرية يقوم على  المجتمعات الإنسانية، إذ عليها أن تجيب على عدد محدود من التحديات العالمية وحلولها، ولكن كل ثقافة لها تفضيلاتها المختلفة منها، والأسئلة المطروحة تفحص علاقة الإنسان بالزمن والطبيعة وبين بعضهم البعض، كما تشمل النظرة لطبيعة الإنسان ولنتأمل كيف ستخدمنا الفكرة في محاولة فهم قدرة مجتمعاتنا على التقدم، وهل أنتجت عمليات التعليم والتحديث مجتمعاً جديداً قادراً على مواجهة التطورات الصعبة في العالم.

المفتاح الأول(النظرة للطبيعة الإنسانية):

ما هي طبيعة نظرة المجتمع للطبيعة الإنسانية ؟

المجتمعات تختزن تصورات مختلفة للطبيعة الإنسانية، فهي قد تميل لرؤية تلك الطبيعة باعتبارها خيراً كما طرح (جون لوك 1632-1704م) في عصر التنوير، وعلى ذلك طرح فكرة القانون الطبيعي والحرية، وجعل التعاقد بين الشعب والسلطة تعاقد على التنازل عن بعض الحقوق للصالح العام، ومع هذا الفهم تنتشر فكرة الحرية والعدالة والمساواة، والعكس لو تبنى المجتمع فكرة الطبيعة الشريرة للإنسان، وأنه لو ترك لشأنه لعاد لشريعة الغاب والمخلب والناب وبالتالي على الشعب أن يتخلى بالكامل عن حقوقه لسلطة تديره كما طرح (توماس هوبز 1588-1679م).

إن المجتمعات التي تختزن نظرة لخيرية الإنسان تفتح له الأفق للتقدم والعطاء، وينعكس ذلك على قوانينها وأعرافها ويتغلغل في الأسر والمدارس وسائر مناحي الحياة والعكس صحيح،  فقضايا مثل الحقوق والعدل والكرامة والإحترام تتفرع من تلك النظرة للإنسان.

طبيعة الإنسان في القرآن كنسق:

مما تتكون الطبيعة الإنسانية ؟ سؤال الفلسفة العظيم يحتاج منا الى وقفة هنا فكل حديث لا يبدأ بالطبيعة الإنسانية يخطئ الطريق !

ونقصد بالطبيعة الإنسانية هنا مجمل الإستعدادات التي تميز الإنسان على سائر المخلوقات، والتي تتماثل في كل من يوصف بأنه إنسان منذ ميلاده وتشكل المشترك العام لبني البشر.

تلك الإستعدادات فيها الجانب الحيواني الذي يكافح به الإنسان للبقاء ويحمي نفسه، وفيها الجانب المتسامي الذي يجعله يطلب الفلسفة والأخلاق والدين والفن وهو قدر زائد على الجانب الحيواني، وفيه جانب القوة وهو العقل الذي به تفوق على سائرالحيوانات ذات المخلب والناب وطوّع الطبيعة، وفي جانب الضعف وهو الخوف والحزن والقلق والهم .

لقد رأت فيه الملائكة عند خلقه مشكلة في الكون (قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء) واختزن الخالق فيه سر العلم (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) وهو بهذا العلم تحول إلى مخلوق مكرم (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) فاستعداده للعلم صيّره قوة اختيار وفعل، وهي ذاتها محك اختبار (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) ولأجل هدايته بعث الرسل وترك له الاختيار (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا).

تلك الطبيعة المحايدة (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) وهو قد خُلق في أحسن تقويم (لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) وهو حين يغذي جانبها السيء يصبح ( إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) و( خَصِيمٌ مُّبِينٌ) و(وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا) و (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ) و(وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُورًا) و (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) و(إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ) ( إِنَّ الإنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ) و(وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ).

ولكنه بخيره وشره أهل للتكريم (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ) ووضع الكون رهن ملكاته (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً)وجعله مستخلفاً في الأرض (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) وأوكل له مهمة إعمارها (وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) .

فالطبيعة الإنسانية في القرآن بكل ما هي مستحقة للتكريم، ومن هنا الأمم التي أدركت ذلك جعلت الكرامة الإنسانية الوجودية مبدأ، وكل ما يندرج تحت هذا المبدأ من حقوق الإنسان جعلته عنواناً للحياة الإنسانية الكريمة، وانعكس ذلك على قوانينها وأنظمتها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وقانونياً واجرائياً..

فكيف ننظر للطبيعة الإنسانية في مجتمعاتنا بحكم المشاهد؟

  • نثق في خيرية الإنسان فنفتح له الأفق .
  • لا نثق في خيريته فنضيق عليه.

المفتاح الثاني(النظرة للطبيعة والكون):

ما هي الصورة التي يختزنها المجتمع عن علاقة الإنسان بالطبيعة؟

الطبيعة هي مخزن الأسرار وقوانينها متاحة للإنسان، فكل الظواهر الطبيعية هي محط سؤال كبير، وكشف تلك الأسرار يتفاوت في قوة المجتمعات، فالمجتمعات التي أنتجت الآلة والطاقة والاتصالات والحواسيب والمواصلات والآلة العسكرية، لم تبنها إلا بتلك العلاقة الوطيدة بين إنسانها وبين المادة، والسؤال الكبير: ما هي العلاقة بين إنسان مجتمعنا والمادة؟ هل يلامسها ويبحث في أسرارها ويتشوق لتلك المعرفة وينشغل بها؟ أم يمر على كل ظواهر الكون غير مبالي لا يلامسها فاحصاً ولا باحثاً؟

فالمجتمعات التي خلقت حالة اندهاش وتسابقت في إنتاج المناهج التي تصل إنسان مجتمعها بالطبيعة تفوقت وتقدمت والعكس صحيح، فهل نجح تعليمنا في إنتاج تلك العلاقة؟

 

النسق القرآني والطبيعة:

الإنسان والطبيعة (تسخير وتذكير) و(أيات آفاق وآيات انفس):

الآيات الكونية والآيات القرآنية مصدرها الله، وهي بهذا المعنى كتاب واحد بعضه مسطور وبعضه منشور في الكون.

والقرآن جعل الكون مسخراً للإنسان (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً).

  • والتسخير قوة قهر كما هو في القاموس سخَرَتِ السفينة سخَرَتِ سَخْرًا : أَطاعت وجرت ، وطابت لها الريح
  • سخَرَتِ فلانا سُخْريًّا : سَخَّرَهُ ، كَلَّفَهُ مَا لاَ يُطِيقُ وَبِلاَ أجْرٍ ، ذَلَّلـَهُ ، قَهَرَهُ

والإنسان قادر على تطويع الموجودات، فهو يدرب الحيوانات، ويلين الحديد، و يحجز المياه بالسدود، وهو يطير في الهواء ويمشي على الماء، ويتخاطب عن بعد ويطوي المسافات، وهو يحفر الأرض، و يستغل ثمارها ومعادنها، من هنا يلفت القرآن أنظاره لكل تلك الموجودات المحيطة لغرضين، غرض الانتفاع بها (تسخير) وغرض ذكر خالقها (تذكير) ومن هنا تعددت آيات الأنفس والآفاق في كتاب الله.

(سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد)

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ 164(البقرة)
والسؤال الكبير الذي يعنينا هو:

هل أنشأنا عقلية ومهارة تتصل بكشف قوانين الطبيعة من حولنا أم لا نزال بعيدين عن ذلك؟

المفتاح الثالث(النظرة للعلم):

ما هي العلاقة بالعلم في المجتمع؟

هناك مجتمعات تعيش على التفسيرات الخرافية والسحر والجن، وهناك مجتمعات تعتني بعلوم تاريخية غير منتجة، وهناك شعوب تعيش على انتظار الإلهامات والرؤى، وهناك شعوب تعتني بالعلوم الفلسفية، وهناك أمم تعتني بالعلوم التجريبية وعلى لغة الأرقام، فما الذي يغلب على مجتمعاتنا وأي وعي لدينا بطبيعة تصوراتنا العلمية ؟

القرآن والعلم:

حين تقرأ القرآن تجد آيات كثيرة تتكلم عن مداخل المعرفة ( وَاَللَّه أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُون أُمَّهَاتكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْع وَالْأَبْصَار وَالْأَفْئِدَة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) النحل/78

ثم أمره بأن يقرأ (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. ) العلق/1

وتكرر ذكر العقل (49) مرة، والألباب (16) مرة، وذكر الأفئدة (16) مرة..والتدبر ..

وجعل الخشية الحقة قرينة العلم (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)

وجعل سقف العلم مفتوحاً (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً)

وجعل طلب الزيادة فيه دعاء (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا)

وجعل العلم أداة القوة (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ)

وجعل الولاية مرهونة بالعلم (إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)

ومن هنا انفتح القرآن على كل العلوم التي تجعل الإنسان متميزاً بصفتين، آلية تسخير وآلية تذكير، وآلية التسخير هي العلم المادي وهو بدوره يفتح الأفق لما يعاضد آيات الكتاب في التذكير.

وهذا يطرح سؤالاً عميقاً على المجتمع:

  • هل علاقتنا بالمنهج العلمي الذي يسخر المادة قوية وناضجة، فنحن نعتمد التجربة المخبرية ولغة الاقام؟
  • هل نبني عقلية منفتحة على التساؤل والفحص العلمي للأشياء؟

 

المفتاح الرابع(النظرة للآخرة):

ما هو تصورها  للعلاقة بما وراء الطبيعة (الآخرة في حالتنا)؟

مفهوم الآخرة والحياة الأبدية والثواب والعقاب مفهوم مؤثر في حياة المؤمنين، فهو يعني وجود محاسبة ومسؤولية تمتد لما بعد الموت، وعليه كان من المفترض أن نشاهد مجتمعات الإسلام من الأكثر إتقاناً وإحساناً وجلداً في المصانع والمعامل والمزارع والمستشفيات والخدمة الإنسانية.

فلماذا يحدث العكس عندنا ونشاهد حجم التخلف في السلوك وفي العمل في كل بقاع العالم الإسلامي؟ نظرة واحدة لخطابنا العام تعطينا الجواب، فأغلب هذا الخطاب يصب من حيث لا يشعر في خانة معاكسة، هو يدعو للإنسحاب من العمل الدنيوي باعتباره فعل مُشغل عن ذكر الله بطريقة غير مباشرة، ويعمق فكرة أن العلوم الشرعية هي العلوم الخيّرة وغيرها علوم دنيوية صارفة عن أشرف العلوم، فثلاثية القرآن الكبرى تفككت والتي تقوم على (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) والتي تشير في ثلاثة اتجاهات، اتجاه في الوعي يقوم على الإيمان، واتجاه في الفعل يقوم على الإرتقاء الروحي بالصلة بالسماء، واتجاه في الفعل يقوم على إعمار الحياة تفكك ليصبح في اتجاهين، وتم تفقير الإتجاه الثالث وتهميشه ففقد سبيل الهداية الذي أشار إليه القرآن.

الإسلام قدم دواء لحالتين، إحداهما إعراض عن الحياة واعتكاف للتعبد، فقال (لأن تذر ذريتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس) وجعل النوافل المتعدية أكبر أجراً من النوافل القاصر نفعها على الفرد ذاته، وقدم حثاً لمن غرق في الحياة الدنيا ناسياً بُعد العلاقة بالخالق أن ينتبه لقصر هذه الحياة في مقابل الخلود (الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ).

إن كل خلل في التوازن مضر بالأمة، فالأمة تحتاج لحماية وجودها وكرامتها ولو أهملت الدنيا استذلت، وهي بحاجة لحماية آخرتها ولو تركت آخرتها لعاشت الخسران الأبدي.

وعندها حُق لنا أن نسأل :

هل خطابنا العام في المساجد والمواعظ يصب في خانة الإتقان والإحسان والنظام، ويوظف قوة الدفع لإحداث التقدم في الحياة باعتبارها جزءاً اساسياً من مشروع الدين أم يحدث العكس؟

 

المفتاح الخامس(النظرة للوقت):

ما هي علاقتنا  بالزمن؟

هناك أمم عقلها معلق بالماضي، أحاديثها وقضاياها، غير معنية بالمستقبل كثيراً، وهناك أمم منشغلة بالمستقبل وعياً وتخطيطاً، فاتجاه التفكير مهم والأهم منه الشعور بقيمة الوقت، فهناك أمم تعتقد أن الوقت ثروة، فهي في تنافس لأخذ أكبر قدر منه، وهناك أمم تعتبر أنه عبء وتتفنن في إهداره، فأي المجتمعات أنتجنا ؟

ساعة توقفت، وعيون تنظر للماضي غافلةً عن استحقاقات المستقبل، ونظرة للزمن تصوره كعبء يلزم التخلص منه.

المتتبع لقضايانا سيجدها تتكرر بشكل لا ينقطع، وكأننا ندور في حلقة مفرغة، فالفرق الإسلامية الكلامية  لازالت تتصارع  ولازالت المفردات ذات المفردات، والمذهبيات والطوائف تظهر أننا لم نغادر القرن الأول الهجري وصراعاته وذيولها، وقضايانا الفقهية دورية تكاد تعرف رمضان أو العيد أو المناسبات الخلافية مثل المولد أو منتصف شهر رمضان من ذات المنشورات التي تتداولها في حينها، فنحن لا نحسم شيئاً، كل شئ معلق إلى مالا نهاية، عيوننا مشدودة إلى عالم آفل لم نغادره بعد، هو مركبة غير صالحة لإبحار، فيها ركاب ينتظرون أن تلج الى البحر بمعجزة.

إن الوقت عند أعداد غفيرة من الأمة هو عبء يخطط الناس للتخلص منه، كيف نمضي السهرة ؟ كيف نمضي الإجازة ؟ كيف نجد حجة للتملص من الدوام ؟ كيف …؟

ويحق لنا أن نسأل مجتمعنا :

كم الوقت الحقيقي لإنتاجية الفرد؟

 

المفتاح السادس(النظرة للحياة):

كيف تنظر لفعل الإنسان في الحياة؟

كيف يعمل مفهوم القدر في المجتمعات المسلمة ؟

اختلف الناس في موضوع أفعال العباد في كل الديانات، فمنهم من قال الإنسان فاعل على الحقيقة، ومنهم من قال الإنسان فاعل بالصورة والفاعل الحقيقي هو الله، ومنهم من قال أنه عند تناهي الأسباب، فالله هو الفاعل، ولكن في الأسباب المباشرة، فالإنسان هو الفاعل ومن هنا تأكدت مسؤوليته عن الفعل واستحق بسببه العقاب أو الثواب، وكان من الممكن أن تظل هذه النقاشات بعيدة عن أذهان عامة الناس، ولكن الجدل الكلامي والوعظ نقلها إلى الواقع الجماهيري، وبطبيعة الحال فقد خلفت آثارها في اللاوعي الجمعي وتركت بصمتها على علاقة الإنسان بواقعه وقدرته على تغييره، فتصوير الإنسان ريشة في مهب الريح، وإن قدره قد خط مسبقاً لا فكاك له منه، وأن جهوده كلها ستذهب أدراج الرياح، فالزمان سيسوء باستمرار، وأنه مبتلى وعليه فقط أن يصبر وسيجد جزاءه في الآخرة، كلها لو تكرست في العقل الجمعي تقود لقصور ذاتي في الفعل، وغياب المسؤولية عن النتائج كانت ستحدث على كل حال ولا مفر منها، وهي تولد شخصية ينمو عندها جناح الصبر على البلاء ويضمر عندها جناح الإعتبار والتخطيط للأحسن .

ويبقى أمر آخر لا يقل أهمية عن الأول، هل تربي أفرادها على أهمية الإبداع الفردي وكيفية الإندماج في فريق؟ أم تنمي الذوبان في المجموع وطمس الشخصية الذاتية للفرد بحجة الجمعوية؟

والسؤال الكبير:

1-هل مجتمعات تؤمن بالتخطيط وبقدرة الإنسان على تغيير واقعه؟ أم هي مجتمعات قدرية تعتقد أن مصيرها محدد مسبقا ولا سبيل لتغييره؟ أين تتجه بوصلتها؟ أم هي مجتمعات حائرة بين المفهومين؟

2-هل تشجع الإبداع الفردي وتنشئ على العمل في فريق أم تطمس جهد الفرد بحجة الجماعية؟

 المفتاح السابع(النظرة المجتمعية الداخلية) :

كيف ينظر أفراد المجتمع إلى بعضهم البعض؟

لازالت البشرية تحلم بالمساواة ونظرة واحدة لكتاب الله عز وجل، نرى تلك المعاني جلية ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13].

“يا أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، ليس لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أبيض، ولا لأبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى” (من خطبة الرسول في حجة الوداع).

ومع ذلك فالفجوة بين الإعلان عن حقوق الإنسان سواء العالمية أو الإسلامية، وبين تطبيق ذلك في الواقع لازالت فجوة واسعة، ولكن هناك مجتمعات تقدمت كثيراً لخلق المواطنة والمساواة بين أفرادها وعمل مسطرة قانونية واجتماعية واحدة للجميع، ولازالت مجتمعات أخرى عالقة لا تحرز تقدماً يذكر، وهناك ملفات مهمة في هذا السياق :

  • الرق كملف كبير أزالته البشرية من طريقها في شكله التاريخي الفج.
  • المساواة القانونية تتقدم شيئاً فشيئاً؟
  • المساواة بين الجنسين لازالت تتقدم ببطء.

ولنا أن نسأل:

كم درجة تقدمنا في ملف المواطنة المتساوية ؟

كم درجة الإحترام السائدة بين أفراد المجتمع؟

كم درجة البر والقسط مع غير المسلم في المجتمع المسلم؟

المفتاح الثامن(النظرة للمجتمعات الخارجية)

كيف ينظر المجتمع للمجتمعات الأخرى؟

هل هي نظرة تتسم بالعدوانية أم تتسم بالود؟ ومن هنا هل تنتشر قيم السلام والتعاون أم قيم العدوان والحرب والقطيعة؟.

القرآن والآخر:

وحدة الأصل البشري:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}(سورة النساء: [الآية: 1)

إرادة الاختلاف:

{ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ }سورة الروم: [الآية: 22].).

(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ

التعارف الكوني:

( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْعِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) سورة الحجرات: [الآية: 13)

السلم يقتضي البر والقسط:

(لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }(سورة الممتحنة: [الآية: 8.)

ولنا ان نسأل:

  • هل تتسم علاقتنا بالآخر البعيد المختلف بالبر (أعلى درجات الإحسان) ؟
  • هل تتسم علاقتنا بالآخر البعيد المختلف بالتوتر؟

مواضيع مشابهة

النسق القرآني..قراءة قيمية راشدة
النسق القرآني..قراءة قيمية راشدة

أغسطس 21, 2017

دعوى الكتاب تقوم على أنه حين افتقدنا النظرة لنسق قيم الدين، واختلت مفاهيمه الكبرى، واختلطت دوائر فعل النص؛ فقد الدين فاعليته، وأصبح جزء من المشكلة بدلا من أن يكون جزء …

المزيد من المعلومات